ابن حزم
807
الاحكام
وقال بعضهم : إنما نتبعهم فيما لا سنة فيه . قال أبو محمد : وإذ لم يبق إلا هذا فقد سقط شغبهم ، وليس في العالم شئ إلا وفيه سنة منصوصة ، وقد بينا هذا في باب إبطال القياس من كتابنا هذا ، وبالله تعالى التوفيق . واحتجوا بما أخبرناه عبد الله بن ربيع قال : نا محمد بن معاوية ، نا أحمد ابن شعيب ، أنا محمد بن بشار ، نا أبو عمر ، نا سفيان - هو الثوري - عن الشيباني - هو أبو إسحاق - عن الشعبي ، عن شريح أنه كتب إلى عمر يسأله فكتب إليه : أن اقض بما في كتاب الله ، فإن لم يكن في كتاب الله فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض بما قضى به الصالحون ، فإن لم يكن في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقض فيه الصالحون ، فإن شئت فتقدم ، وإن شئت فتأخر ، ولا أرى التأخر إلا خيرا لك ، والسلام عليكم . قال أبو محمد : وهذا عليهم لا لهم ، لان عمر لم يقل بما قضى به بعض الصالحين وإنما قال : ما قضى به الصالحون فهذا هو إجماع جميع الصالحين ، وفي هذا الحديث إباحة عمر ترك الحكم بالقياس واختياره لذلك . ويقال لهم - في احتجاجهم بما روي من الامر بالتزام سنة الخلفاء الراشدين المهديين - هذا حجة عليكم ، لان سنة الخلفاء الراشدين المهديين كلهم - بلا خلاف منهم - ألا يقلدوا أحدا ، وألا يقلد بعضهم بعضا ، وأن يطلبوا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث وجدوها فينصرفوا إليها ويعملوا بها ، وقد أنكر عمر رضي الله عنه أشد الانكار على رجل سأله عن مسألة في الحج ، فلما أفتاه قال له الرجل ، هكذا أفتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فضربه عمر بالدرة وقال له : سألتني عن شئ قد أفتى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي أخالفه . رويناه من طريق عبد الرزاق ، وقال عمر رضي الله عنه : إن الرأي منا هو التكليف ، وإن الرأي من النبي صلى الله عليه وسلم كان حقا . قال أبو محمد : فمن كان متبعا لهم فليتبعهم في هذا الذي اتفقوا فيه من ترك